وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَتَيْنِ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ) هُوَ تَشْبِيهُ حَالَةٍ بِحَالَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ ; أَيْ: كَذَلِكَ النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ إِرَاءَتِهِمُ الْعَذَابَ سَيُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ، وَالَّذِينَ تَنَطَّعُوا فِي إِعْرَابِهَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ صَرَفَتْهُمْ قَوَاعِدُ النَّحْوِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا ، عَلَى أَنَّ لَهُ نَظَائِرَ فِي كَلَامِ الْعَامَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ هِيَ مِمَّا بَقِيَ لَهُمْ مِنَ الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الْفَصِيحَةِ لَمْ تُفْسِدْهَا الْعُجْمَةُ ; إِذْ لَا تَمَجُّهَا أَذْوَاقُ الْأَعْجَمِينَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: جَاءَتْ فِيهِ الْبَاءُ لِمَعْنًى خَاصٍّ لَا يَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ مَعَانِيهَا ، وَإِنَّمَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبِيُّ مِنَ الْأُسْلُوبِ ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ هُنَا كَمَا قَالَ (الْجَلَالُ) : تَقَطَّعَتْ عَنْهُمُ الْأَسْبَابُ لَا تَرَى فِي نَفْسِكَ الْأَثَرَ الَّذِي تَرَاهُ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى الَّتِي تُمَثِّلُ لَكَ التَّابِعِينَ وَالْمَتْبُوعِينَ كَعِقْدٍ انْفَرَطَ بِانْقِطَاعِ سِلْكِهِ فَذَهَبَتْ كُلُّ حَبَّةٍ مِنْهُ فِي نَاحِيَةٍ .
أَقُولُ: وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ قَدْ كَانُوا مُرْتَبِطِينَ فِي الدُّنْيَا وَمُتَّصِلًا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ يَسْتَمِدُّهَا كُلٌّ مِنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ مِنَ