لَا يَسْمَحُ الدِّينُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَتْرُكُوا الْحَرْثَ وَالزَّرْعَ وَيَدْعُوا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْحَبَّ مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ عَمَلِ مِنْهُمْ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (56: 64) وَإِنَّمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْقِيَامِ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ الْمُمْكِنَةِ لِإِنْجَاحِ الزِّرَاعَةِ مِنَ الْحَرْثِ وَالتَّسْمِيدِ وَالْبَذْرِ وَالسَّقْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَنْ يَتَّكِلُوا عَلَى اللهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَهْدِهِمْ لِسَبَبِهِ بِكَسْبِهِمْ كَإِنْزَالِ الْأَمْطَارِ ، وَإِفَاضَةِ الْأَنْهَارِ ، وَدَفْعِ الْجَوَائِحِ ، فَإِنِ اسْتَطَاعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَطْلُبُوهُ بِعَمَلِهِمْ لَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ ، مَعَ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هِدَايَتِهِمْ إِلَيْهِ وَإِقْدَارِهِمْ عَلَيْهِ .
كَذَلِكَ يَحْظُرُ الدِّينُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إِلَى الْحَرْبِ وَالْمُدَافَعَةِ عَنِ الْمِلَّةِ وَالْبِلَادِ عُزَّلًا ، أَوْ حَامِلِي دُونَ سِلَاحِ الْعَدُوِّ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِمُ اتِّكَالًا عَلَى اللهِ تَعَالَى وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِهِ ; بَلْ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُعِدُّوا لِلْأَعْدَاءِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ ،
وَيَتَّكِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْهُجُومِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ وَالْأَقْدَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ اعْتِمَادًا عَلَى اللهِ فَهُوَ جَاهِلٌ بِاللهِ ، وَمَنِ الْتَجَأَ إِلَى مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِاللهِ .