وَهَذَا الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ - مِنْ إِنْسَانٍ مُكَرَّمٍ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
الْمُقَرَّبِينَ ، أَوْ مَا دُونُ ذَلِكَ مِنْ مَظَاهِرِ الْخَلِيقَةِ ، أَوْ صَنَمٍ أَوْ تِمْثَالٍ جُعِلَ تِذْكَارًا لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ - يُسَمَّى نِدًّا لِلَّهِ وَشَرِيكًا لَهُ وَوَلِيًّا مِنْ دُونِهِ ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ وَلَمْ يُنْزِلِ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَسَّمَ الْمُفَسِّرُونَ الْأَنْدَادَ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ يَعْمَلُ بِالِاسْتِقْلَالِ ; أَيْ: يَقْضِي حَاجَةَ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ ، وَقِسْمٍ يَشْفَعُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَيَتَوَسَّطُ لِصَاحِبِ الْحَاجَةِ فَتُقْضَى ، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّفِيعُ نِدَّا ; لِأَنَّهُ يَسْتَنْزِلُ مَنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ عَنْ رَأْيِهِ وَيُحَوِّلُ مِنْ إِرَادَتِهِ ، وَتَحْوِيلُ الْإِرَادَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِتَغْيِيرِ الْعِلْمِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ ; إِذِ الْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ دَائِمًا ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَ السَّلَاطِينِ وَالْحُكَّامِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى . وَأَقَلُّ تَغْيِيرٍ فِي عِلْمِ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَهُمُّهُ أَمْرُ مَنْ يَشْفَعُ لَهُ وَيَتَمَنَّى لَوْ تُقْضَى حَاجَتُهُ (وَسَتَرَى بَيَانَ هَذَا وَدَلِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ) .