وموت الأرض من ترشيح الاستعارة ، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها بالحياة ، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها جسد لا روح فيه . فلا دواء عليه .
السادسة: {وبث فيها من كل دابةٍ} وإنه معطوف على {أنزل} فيدخل تحت حكم الصلة ، ويصح عود الضمير {فيها} إلى الأرض لأن قوله {فأحيا} عطف على {أنزل} فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد . فكأنه قيل: وما أنزل فِي الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ويجوز عطفه على {أحيا} أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابةٍ ، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] . واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي ، وكلا الصنفين يحتاج إلى صانع فردٍ حكيم . يحكى أن شخصاً قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر فِي شبر ، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير ألبتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبداً يشتبهان فِي الصورة . فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت فِي هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها ، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم . ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب .
السابعة: تصريف الله تعالى الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد ، وبجريان السفن بهبوب الرياح ، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله تعالى ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع .