البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه . والسفينة مما ألهم الله تعالى تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء ، فلولا رقة الماء وخفة مادة السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها ، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما تكامل النفع بها ، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج ، ولولا تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها ، ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار فِي هذه الأسفار وحمل الأمتعة إلى الأمصار فِي البراري والبحار ، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه يربح ، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه .
وفي الآية دليل على إباحة ركوب السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة .
الخامسة: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} أما نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك فِي تفسير قوله تعالى {أو كصيبٍ من السماء} [البقرة: 19] وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب السماء . وأما تنكير {من ماء} فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئاً كما جاء فِي الحديث"ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت"ولا ريب أن فِي إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله فِي غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سبباً للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس منه وشدة احتياجهم إليه وأودع فِي نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين وتشوق السامعين .
فوقت الربيع فِي الأزمان ... كسن الصبا فِي الأسنان