فإن قلت: عشر ثانٍ فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه الجهة ، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة . ولكن الوحدة تغاير الوجود لأن الموجود ينقسم إلى الواحد ، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به الانقسام . والواحد الحق سبحانه وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضاً وإليه الإشارة بقوله {إلهكم إله واحد} والخطاب للممكنات بأسرهم . والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور ، وثانيهما أنه ليس فِي الوجود ما يشاركه فِي كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو المراد بقوله {لا إله إلا هو} ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته فِي الإلهية بالمطابقة . ويلزم منه نفي الشريك كقولك"هو سيد واحد"تريد الوحدة فِي السيادة ، فيلزم نفي أن يكون غيره سيداً . والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة . ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله فِي الوجود إلا هو . وفيه نكتة شريفة وهي أن إثبات الحق وقع فِي كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد الأسنى والغاية القصوى . وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج ، وذلك أنه قد يفنى فِي عالم اللاهوت ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت ، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما سوى الحق . وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى يعرج إلى المقصود . فهذا سر عكس الترتيب فِي القرينتين ، ولأن الأولى مرتبة الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". ثم البرهان العقلي على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء مقدارية كما للأجسام ، ولا يحصره أجزاء معنوية كما فِي البسائط النوعية ، ولا أجزاء اعتبارية كما فِي البسائط الجنسية ، هو أن كل مركب فإنه يفتقر فِي تحققه أجزائه ، والمفتقر إلى غيره لا