فالجوابُ: أنَّ الممنوع من ذلك أن يتَّحدا معنًى من غير عطف، ولا بدلٍ، لا تقول: أَخَذْتُ من الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَأَمَّا الآية الكريمة: فإنَّ المحذورَ فيه مُنْتَفٍ، وذلك أنَّك إن جَعَلْتَ"مِنَ"الثانية للبيان، أو للتبعيض، فظاهرٌ؛ لاختلاف معناهما؛ فإنَّ الأولى للابتداء، وإن جعلناها لابتداء الغاية، فهي وما بعدها بدلٌ، والبدلُ يجوز ذلك فيه، كما تقدَّم، ويجوز أن تتعلَّق"مِن"الأولى بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ؛ إمَّا من الموصول نفسه، وهو"مَا"، أو من ضميره المنصوب بـ"أنْزَلَ"، أي: وما أَنْزَلَ اللَّهُ حالَ كَوْنِهِ كائناً من السَّماء.
قوله تعالى:"فَأَحْيَا بِهِ"عطف"أحْيَا"على"أَنْزَلَ"الَّذي هو صلة بفاء التَّعقيب، دلالة على سُرعة النبات، و"بِهِ"متعلِّق بـ"أَحْيَا"والباءُ يجوزُ أن تكون للسَّبب، وأن تكون باء الإله، وكلُّ هذا مجازٌ؛ فإنَّه متعالٍ عن ذلك، والضميرُ فِي"به"يعود على الموصول.
قوله تعالى:"وَبَثَّ فِيهَا"يجوز فِي"بَثَّ"وجهان:
أظهرهما: أنَّهما عطفٌ على"أَنْزَلَ"داخلٌ تحت حُكم الصِّلة؛ لأنَّ قوله"فَأَحْيَا"عطفٌ على"أَنْزَلَ"فاتصل به، وصارا جميعاً كالشَّيء الواحد، وكأنه قيل:"وَمَا أَنْزَلَ فِي الأَرْضِ مِنْ مَاءٍ، وبَثَّ فيها من كُلِّ دابِّة؛ لأنَّهم يَنْمُونَ بالخِصْبِ، ويَعِيشُون بالحَيَا": قاله الزمخشريُّ.
والثاني: أنه عطفٌ على"أَحْيَا".
واستشكل أبو حيَّان عطفه [عليها؛ لأنَّها صلةٌ للموصول، فلا بُدَّ من ضمير يرجع من هذه الجملة إليه، وليس ثمَّ ضميرٌ فِي اللَّفظ] ؛ لأن"فيها"يعود على الأَرْض، فبقي أن يكون محذوفاً، تقديره: وبَثَّ به فيها، ولكن لا يجوز حذف الضمير المجرورة بحرف إلا بشروطٍ:
أن يكون الموصول مجروراً بمثل ذلك الحرف.
وأن يتَّحِد متعلَّقهما.