قال الواحديُّ: وأصله من الدَّوَرَان، فكل مستدير فلك، ومنه"فَلَكُ السَّمَاءٍ"؛ لدوران النُّجوم فيه، و"فَلْكَةُ المِغْزَلِ" [وفَلكَتِ الجَارِيَةُ: استدارَ نَهْدُها] ، وسُمِّيت السَّفينة فُلْكا لأنَّها تدور بالماء أسهل دورٍ.
وجاء بصلة"الَّتِي"فعلاً مضارعاً؛ ليدلَّ على التجدُّد والحدوث، وإسناد الجري إليها مجازٌ، وقوله:"فِي البَحْرِ"توكيدٌ؛ إذ المعلوم أنَّها تجري فِي غيره؛ كقوله {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] .
فصل فِي سبب تسمية البحر بالبحر
قال اللَّيثُ: سمي البحر بحراً؛ لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلانٌ [فِي العلم] ، إذا اتَّسَعَ فيه؛ وتَبَحَّر الرَّاعي فِي الرَّعي كَثُرَ، وتبحَّر فلانٌ فِي المال.
وقال غيره: سُمِّيَ البحر بحراً؛ لأنَّه شقّ فِي الأرض، والبحر الشَّقُّ، ومنه البُحَيْرَة.
قوله تعالى:"بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ".
[فِي"ما"قولان:
أحدها: أنها موصولة اسميَّةٌ؛ وعلى هذا: الباء للحال، أي: تجري مصحوبةً بالأعيان الَّتي تنفعُ النَّاس.
الثَّاني: أنها] حرفيَّةٌ، وعلى هذا تكونُ الباءُ للسَّببب، أي: تجري بسَبَبِ نفع النَّاس فِي التِّجارة وغيرها.
قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ} [البقرة: 164] ["من"] الأولى معناها ابتداءُ الغاية، أي: أنزل من جهة السماء، وأما الثانيةُ فتحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون لبيان الجِنسِ فإنَّ المنزل من السَّماء ماءٌ وغيره.
والثاني: أن تكون للتَّبعيض؛ فإنَّ المنزل منه بعضٌ لا كلٌّ.
والثالث: أن تكون هي وما بعدها بدلاً من قوله:"من السماء"بدل اشتمالٍ بتكرير العامل، وكلاهما أعني"مِن"الأولى، و"مِن"الثانية متعلِّقان بـ"أَنْزَلَ".