قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: نَبَّهَهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي يَرْقُبُونَهَا مِنْ شِرْكِهِمْ إِنَّمَا هِيَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ وَحْدَهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا أَنْتُمْ تَرَكْتُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ لِأَجْلِهِ
تَعَالَى فَهُوَ بِتَفَرُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ يَكْفِيكُمْ كُلَّ ضَرَرٍ تَخَافُونَهُ، وَيُعْطِيكُمْ بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ كُلَّ مَا تَرْجُونَهُ، فَإِنَّ بِيَدِهِ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَا تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ مِنْ دُونِهِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلِاعْتِمَادِ ; بَلِ اعْتِمَادُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ الشِّرْكِ فَيَجِبُ أَنْ تَطْرَحُوهُ جَانِبًا، وَتَعْتَقِدُوا أَنَّ الْإِلَهَ الَّذِي بِيَدِهِ أَزِمَّةُ الْمَنَافِعِ وَالْقَادِرُ عَلَى دَفْعِ الْمَضَارِّ وَإِيقَاعِهَا هُوَ وَاحِدٌ لَا سُلْطَانَ لِأَحَدٍ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَا أَوْسَعَ مَنْ رَحِمْتِهِ، وَإِنَّمَا أَكَّدَ أَمْرَ الْوَحِدَةِ هَذَا التَّأْكِيدَ تَحْذِيرًا مَنْ طُرُقِ الشِّرْكِ الْخَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا أَسَاسُ
الدِّينِ وَأَصْلُهُ، وَقَدْ فَصَّلْنَا مَعَانِيَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ وَاسْمَيْ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
أَرَأَيْتَ هَذَا الِاتِّصَالَ الْمُحْكَمَ بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا؟ إِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَدْ قَطَعَ عُرَاهُ وَفَصَمَهَا، وَجَعَلَ الْآيَةَ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ، قَالَهُ (الْجَلَالُ) .