ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أول مرة، إذ قد مَلَّك قومًا في الدنيا شيئًا من الضر والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد.
وقال أبو بكر الوراق: {إِنَّا للِّهِ} : إقرار منّا له بالملك {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} : إقرار على أنفسنا بالهلك، وظاهر الخطاب في هذه الآية يقتضي أن يكون قول القائل: {إِنَّا للِّهِ} على إثر المصيبة من غير أن يتخللها جزع؛ ليستحق الثواب الموعود. يؤيد هذا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة جزعت ثم راجعت:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى". الصبر الموعود عليه الأجر والثواب.
157 -قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} قد ذكرنا معنى الصلاة واشتقاقها فيما تقدم، وهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسكنهم.
وقال أبو عبيدة: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} يقول: ترحّم من ربهم، واحتجّ بقول الأعشى:
تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا ... يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا
عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي ... نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا
يروى (مثل) رفعًا ونصبًا، فمن نصب فهو إغراء، ومن رفع فهو ردّ عليها، كأنه قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت، وغيره من أهل اللغة يجعله بمعنى: دعوت، وأحدهما يقرب من الآخر؛ لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه، ولهذا المعنى كان الصلاة منّا دعاء،
ومن الله تعالى رحمة.
وأنشد الأزهري في تفسير هذه الآية قول الشاعر:
صلّى على يحيى وأشياعه ... ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ