ويحتمل لا على جهة العبادة، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو الصوم. ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين، وكذلك قوله: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) ، يحتمل: (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة. ويحتمل الهلاك بنفسها، وكذلك (وَالْأَنْفُسِ) ويحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما. وكذلك (وَالثَّمَرَاتِ) .
ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره؛ لأنهم كلهم عبيده، له أن يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك، ليخف ذلك عليهم. واللَّه أعلم.
ثم أمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يبشر الذين صبروا على المصائب التي امتحنهم بها عَزَّ وَجَلَّ، ولم يجزعوا عليها، وقالوا: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) . فيه الإقرار بوحدانيته عَزَّ وَجَلَّ، وبالبعث بعد الموت.
وقيل: إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ لأنه لم يذكر هذا الحرف عن الأمم السالفة؛ ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - على كثرة ما أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه، ولكن قال: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) ، ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره؛ فدل أنه مخصوص لهذه الأمة. واللَّه أعلم.
ورُويَ عن ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه، أنه قال:"من استرجع عند المصيبة جبر اللَّه مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضى به".