وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَرَءُوا: «هُوَ مُوَلَّاهَا» بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوَجَّهٌ نَحْوَهَا وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُسَمًّى فَاعِلُهُ، وَلَوْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ لَكَانَ الْكَلَامُ: وَلِكُلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهَةٌ اللَّهُ مُوَلِّيِهِ إِيَّاهَا، بِمَعْنَى مُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضُهُمِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ» بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ. وَذَلِكَ لَحْنٌ، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ الْخَبَرُ غَيْرَ تَامٍّ، وَكَانَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} بِمَعْنَى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ وَقِبْلَةٌ ذَلِكَ الْكَلُّ مُوَلٍّ وَجْهَهُ نَحْوَهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَتَصْوِيبِهَا إِيَّاهَا، وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ. وَمَا جَاءَ بِهِ النَّقْلُ مُسْتَفِيضًا فَحُجَّةٌ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ فَغَيْرُ جَائِزِ الِاعْتِرَاضِ بِهِ عَلَى الْحُجَّةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاسْتَبِقُوا} فَبَادِرُوا وَسَارِعُوا مِنَ «الِاسْتِبَاقِ» ، وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ وَالْإِسْرَاعِ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} أَيْ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْحَقَّ وَهَدَيْتُكُمُ لِلْقِبْلَةِ الَّتِي ضَلَّتْ عَنْهَا الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ غَيْرُكُمْ، فَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ شُكْرًا لِرَبِّكُمْ، وَتَزَوَّدُوا فِي دُنْيَاكُمْ لِأُخَرَاكُمْ، فَإِنِّي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ سَبِيلَ النَّجَاةِ فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي التَّفْرِيطِ، وَحَافِظُوا عَلَى قِبْلَتِكُمْ، وَلَا تُضَيِّعُوهَا كَمَا ضَيَّعَهَا الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فَتَضِلُّوا كَمَا ضَلَّتْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}