والمعنى: فلا تكونن من الممترين في الجملة التي أخبرتك من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك، والمِرْيَة: الشك، ومنه: الامتراء والتماري.
148 -قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} مختصر، أراد: ولكل أهل دين وِجهة. والوِجهة: اسم للمتوجَّه إليه. وقيل: الوجهة: الجهة.
قال الفراء: تقول العرب: هذا أمر ليس له وِجْهَةٌ، وليس له وَجْه. قال: وسمعت العرب تقول: وجِّه الحجر، وجِهةٌ مَّا لَه، وَوِجهةٌ مَّا لَه، ووَجهةٌ مَّا لَه، وجِهة مَّا له، ووَجْه ما له، معناه: ضعه غير هذه الوَضْعة، والضِّعة والضَّعَة. وأصله في البناء، يقولون: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه فأدِرْه، فإنه سيقع على جهته.
قال أبو إسحاق: ومثله: وَضْعة وضِعَة وضَعَة.
وقوله تعالى: {هُوَ مُوَلِّيهَا} ذكرنا معنى التولية في قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} [البقرة: 144] . وقوله: {هُوَ} ضمير اسم الله وقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وهو التولية، والتولية تقتضي مفعولين، كقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} [البقرة: 144] . والتقدير هاهنا: الله موليها إياه، وإياه ضمير كل الموجَّه المولَّى، وتولية الله إياه إنما هي بأمره له بالتوجه إليها، أو بإرادته ذلك، هذا قول أبي علي.
وقال أبو إسحاق: قال أكثر أهل اللغة: هو ضمير لكل، المعنى: هو مولّيها وَجْهَة، وجاء قوله: {هُوَ مُوَلِّيهَا} على لفظ كل، ولو قيل: هم مولّوها على المعنى كما قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] ، كان حسنًا، يريد: كل أهل وجهة هم الذين ولّوا وجوههم إلى تلك الجهة، ونحو هذا قال الفراء، فقال: هو مولّيها: مستقبلها، الفعل لكلٍ، يريد: كلٌّ مولّي وجهه إليها.