والتولية في هذا الموضع: الإقبال، وفي {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} [آل عمران: 111] {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] نصراف، وهو كقولك في الكلام: انصرِفْ إليّ، أي: أقبِلْ إلي، وانصرف إلى أهلك، أي: اذهب إلى أهلك، وهذا وجه آخر في ولّى، بمعنى: أقبل، وبمعنى: أدبر، غير ما ذكرنا في قوله {فَلَنُوَلّيَنَكَ} أنّ (ولّى) من الأضداد.
قال الزجاج: وكلا القولين جائز، أي: أن يكون {هُوَ} كناية عن الله تعالى. وأن يكون كناية عن كلّ.
وقرأ ابن عامر: (هو مولّاها) . وعلى هذه القراءة الكناية تعود إلى كل فقط، والمفعولان مذكوران، وذلك أنه حذف الفاعل، وأضاف المفعول الأول إلى المفعول الآخر، الذي هو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، أي: كلٌّ وُلِّي جهةً، وهذه القراءة تؤول في المعنى إلى القراءة الأولى؛ لأن التولية في المعنى استقبال، وما استقبلك فقد استقبلته، وما استقبلته فقد استقبلك.
وقال أبو الحسن النحوي فيما قرأته عليه: من قرأ بفتح اللام فحجته قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} فلما كان الله هو الذي يولّي القبلةَ فالإنسان مولًّى إياها، ومن قرأ بكسر اللام قال: لما كان الله هو الذي يولّي المتوجه القبلة؛ كان إسناد التولية إليه أولى. وموضع {هُوَ مُوَلِّيهَا} رفع؛ لأنها جملة وقعت صفةً لقوله {وِجْهَةٌ} .
وقال الحسن في هذه الآية: هو كقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 67] .
وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} قال أهل التفسير: أراد: إلى الخيرات، فحذف حرف الجر، كقول الراعي:
ثنائي عليكم يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائل