ومجيء نفي معرفة نفاقهم من جهة اللزوم، فهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يعلم وجود النفاق في أشخاص منافقين مُعيَّنين، وهو موجود في غيرهم ولا يعرف أعيانهم، وليس المراد أن أشخاصهم كانت معلومة له معروفة عنده، وقد انطَوَوا على النفاق، وهو لا يعلم ذلك فيهم، فاللفظ لم يدل على ذلك بوجه، وعلى هذا ينبغي حمله على معرفة أشخاصهم لا على معرفة نفاقهم.
نخلص إلى ترتيب ما سبق في نقاط عن الفروق بين العلم والمعرفة:
1 -"المعرفة"تتعلق بذات الشيء؛ أي: مسماه، و"العلم"يتعلق بأحواله وصفاته، فتقول: عرفت أباك، وعلمته صالحًا عالمًا، ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة؛ كقوله - تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] ، فالمعرفة: حضور صورة الشيء، ومثاله العلمي في النفس، والعلم: حضور أحواله وصفاته، ونسبتها إليه، فالمعرفة تشبه التصوُّر، والعلم يشبه التصديق.
2 -"المعرفة"في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه، أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها، قيل: عرفه.
قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45] ، وقال تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [يوسف: 58] ، وقال: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} [الأنعام: 20] لما كانت صفاته معلومة عندهم، لما رأوه عرفوه بتلك الصفات، فالمعرفة تشبه التذكر للشيء، وهو حضور ما كان غائبًا عن الذكر، ولهذا كان ضد المعرفة الإنكار، وضد العلم الجهل.
3 -"المعرفة"تفيد تمييز المعروف عن غيره، و"العلم"يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره، وهذا الفرق غير الأول، فإنَّ ذاك يرجع إلى إدراك الذَّات، وهذا يرجع إلى تخليص الذَّات من غيرها، بتخليص صفاتها من صفات غيرها.