فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 49019 من 466147

فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه، قيل: عرفه، ألا ترى أنَّك إذا غاب عنك وجه الرجل، ثم رأيته بعد زمان، فتبيَّنتَ أنه هو، قلت: عرفته؟ وكذلك عرفت اللفظ، وعرفت الديار، وعرفت الطريق، وسر المسألة: أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره فاشتبه، فالمعرفة تمييز، ومن هذا قوله - تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] ، فقد كان عندهم من صفته - عليه الصلاة والسلام - قبل أن يروه، ما طابق شخصه حين رؤيته، وجاء {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] من باب ازدواج الكلام، وتشبيه أحد اليقينين بالآخر.

قال ابن القيم: وأمَّا ما زعموا من قولهم: إنَّ"علمت"قد يكون بمعنى"عرفت"، واستشهادهم بنحو قوله - تعالى: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] ، وقوله: {وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] ، الذي دعاهم إلى ذلك أنَّهم رأوا"علمت"قد تعدت إلى مفعول واحد، وهذا هو حقيقة العرفان، فاستشهاد ظاهر على أنَّه قد قال بعض الناس: إنَّ تعدي فعل العلم في هذه الآيات وأمثالها إلى مفعولٍ واحد لا يُخرجها عن كونها علمًا على الحقيقة، فإنَّها لا تتعدى إلى مفعول واحد على تعدي"عرفت"، ولكن على جهة الحذف والاختصار.

فقوله: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] لا تنفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم، وإنَّما تنفي عنه العلم بعدوانهم ونفاقهم، وما تقدم من الكلام يدلُّك على ذلك، وكذلك قوله: {وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] ، فربَّما كانوا يعرفونهم ولا يعلمونهم أعداءً لهم، فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف لا بعينه وذاته، ومثل ذلك من يقول: إنَّ"سأل"يتعدى إلى غير العقلاء: سألت الحائط، والدار، يَحتج بالآية، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ، وذاك جهل بالمجاز والحذف، وليس ما قاله هؤلاء بقوي، فإن الله - سبحانه - نفى عن رسوله معرفة أعيان أولئك المنافقين، وهذا صريح اللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت