سبب نزول الآية: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:
نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بنعته وصفته وبعثه في كتابهم، كما يعرف أحدهم ولده، إذا رآه مع الغلمان، قال عبد الله بن سلام: لأنا أشدّ معرفة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقّا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام.
المناسبة أو وجه الربط بين الآيات:
كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يتشوّق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إيمان العرب، وهم الذين عليهم المعول في إظهار هذا الدين، ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يستقبل القبلة؟ فكره النّبي صلّى الله عليه وسلّم قبلتهم، حتى روي أنه قال لجبريل: وددت لو أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها.
قال أبو حيان: ولما كان صلّى الله عليه وسلّم هو المتشوّف لأمر التحويل بدأ بأمره أولا، ثم أتبع أمر أمته ثانيا، لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به صلّى الله عليه وسلّم.
ولما ذكر الله تعالى ما قاله سفهاء اليهود عند تحويل القبلة، ذكر في هذه الآيات أن إعراض أهل الكتاب عن رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم، لم يكن لشبهة تحتاج إلى إزالة، وإنما لعناد ومكابرة، وفي ذلك تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم من جحود أهل الكتاب الذين طمع في إسلامهم، وتضايق من تكذيبهم.
التفسير والبيان:
كثيرا ما نرى تردد نظرك في جهة السماء، حينا بعد حين، متشوقا للوحي، متلهفا لتحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم لم يسأل ذلك، بل كان ينتظره فقط، وهو في هذا لا يعدّ معارضا أمر ربه، لأن صفاء نفسه يجعله يتطلع إلى ما يظنه خيرا، ويقدر فيه مصلحة.