وإن النبي بصريح هذا النص يشير إلى أنه كانت قبلته إلى الصلاة ليست هي الكعبة، وأن الله تعالى حوله عن القبلة السابقة إلى الكعبة، وذلك أنه عندما فرضت الصلوات الخمس عند، الإسراء والمعراج أمر الله نبيه أن يتجه إلى الصخرة حول المسجد الأقصى، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لَا يستدبر الكعبة في صلاته، بل يتجه إلى بيت المقدس واقفا بين الركنين من الكعبة متجها إلى بيت المقدس فكان في الحقيقة متجها إلى الكعبة وبيت المقدس.
ولما هاجر كان لَا يمكنه أن يتجه إلى القبلتين، فاتجه إلى بيت المقدس؛ لأن أمر الله بالاتجاه إليه قائم ثابت، ولم يكن من قبل أمر بالاتجاه إلى الكعبة، بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصا على ألا يستدبرها تكريما لها وتشريفا، ولأنه كان يتجه إليها قبل الأمر بالاتجاه إلى بيت المقدس، وقد أخطأ من أهل الكتاب من زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى بيت المقدس ليتألف قلوب اليهود فما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشرع عبادة أو فرغا من عبادة من تلقاء نفسه،، بل إنه أمر تعبدي من الله تعالى لَا يملك فيه رسوله الأمين تحويلا ولا تبديلا.
وإنه بلا شك كان ثمة ناسخ ومنسوخ، وقد كان المنسوخ هو الصلاة إلى بيت المقدس، والناسخ هو الصلاة متجها إلى الكعبة، ثم إلى بيت الله الحرام.
ولم يكن الناسخ والمنسوخ ثابتين بالقرآن، بل إن كليهما ثبت بالسنة فالمنسوخ ثبت بالسنة، وهي عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله تعالى، وتحويل القبلة - وهو الناسخ - ثبت بالسنة أيضا، فقد روى البخاري عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وإن أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد - أي قباء - فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت.