في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم آتٍ فقال إن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قد نزل عليه الليلة قرآن وقد أمر
أن يستقبل الكعبة وكانت وجوههم إلَى الشام فاستداروا إلَى الكعبة فقد علمت أن ما ذكره
المص ليس موافقًا للروايات الصحيحة فإن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يتحول في الصلاة وأن
التحول كان في صلاة الفجر انتهى. وقيل قال أهل السير إن الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ كان في
بيت بشر براء بن معرور الأنصاري؛ إذ دخل وقت الظهر فأقام رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ صلاة
الظهر بجماعة في مسجد تلك المحلة فلما دخل في ركوع الركعة الثانية؛ إذ نزلت هذه الآية.
فتحول إلَى الكعبة، ولا يخفى أنه مخالف لما رواه المصنف من قوله وقد صلى بأصحابه
ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة انتهى. فعلم منه أن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تحول في الصلاة
وأن من قال فإن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يتحول في الصلاة فقد غفل عنه ويمكن أن يكون
مراد المصنف وقد صلى بأصحابه ركعتين قريبًا من تمام الركعة؛ لأن للأكثر حكم الكل فيكون
موافقًا لما ذكر في السير.
قوله: (وتبادل الرجال والنساء صفوفهم) قيل أراد أن الرجال قاموا مكان النساء
والنساء في مقام الرجال. وقال بعضهم والظَّاهر أن مراده أن بعض الرجال قاموا مكان بعض
النساء وبعض النساء قمن مكان بعض الرجال مثلًا إذا قام الإمام وصفَّ خلفه صفين صفًا
رجالًا وصفا نساء فإذا دار إلَى جانب اليمين تحول ما في اليمين من الرجال إلَى خلف
لاتباع الإمام وتسوية الصفوف فإذا كانوا قريبين من النساء يبعدوهن من أمكنتهن حتى
يقوموا مكانهن وكذا تحرك من في يسار الإمام إلَى قدام والنساء اللاتي خلف هَؤُلَاء الرجال
يقفن مكان الرجال حتى تستوين مع النساء اللاتي في جانب يمين الإمام كما يشهد به
التخيل الصحيح انتهى. والمُسْتَفَاد من هذا البيان أن الرجال قاموا مكان النساء جَميعًا
وبالعكس لا أن بعض الرجال قاموا مقام بعض النساء وبالعكس والْمُتَبَادَر من تبادل
الصفوف كون صف النساء مقدمًا عَلَى صف الرجال، فيلزم فساد صلاة الرجال، وَأَيْضًا يلزم
عمل الكثير في الصلاة. قال بعضهم: فإنهم في أول الصلاة كانوا مستقبلين لبيت المقدس
مستديرين الكعبة لأن المدينة بَيْنَهُمَا فإذا تحولوا نحو الكعبة صار صف النساء مقدمًا عَلَى
صف الرجال فتقدم الرجال وتأخّر النساء فحصل تبادل صفوفهم انتهى. كان قوله فتقدم
الرجال الخ. إشَارَة إلَى دفع الإشكال الْمَذْكُور وهذا إنما يدفع الإشكال إذا لم يكن تقدم
النساء بقدر أداء ركن، وأَيْضًا لا يدفع لزوم عمل كثير، فالأولى عند هذا من خصائص الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ أو من خصائص التحويل أو كونهما مفسدين للصلاة إنما كانا مشروعين بعد
ذلك ويمكن منع عمل الكثير بأن يقال إن مشيهم خطوة بعد خطوة بالثاني والسكون ولا
فساد فيه. والله أعلم بحَقيقَة الحال واستقبل الميزاب أي كانت جهتهم مقابلة لميزاب الكعبة.
قوله: (فسمي المسجد مسجد القبلتين) وهذا المسجد غير مسجد قباء كما أشار إليه
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وتبادل الرجال والنساء صفوفهم بأن تحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.