على الوعد الذي هُوَ كالواجب إنجازه وتَخْصيص التولية بالوجه لأن التوجه بجميع البدن
وإن كان مقصودًا لكنه يحتمل وجوها كثيرة والمقصود التوجه بجانب الوجه وإنما حمل
التولية عَلَى الصرف وفي قَوْله تَعَالَى: (مَا وَلَّاهُمْ) لأنها هنا وهناك متعد
إلى مَفْعُول واحد بنفسه وذلك بمعنى الصرف إما عن الشيء إن كان متعديًا إلَى الْمَفْعُول
الثاني بـ (عن) كما في قَوْله تَعَالَى: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبْلَتهمُ) أو إلَى الشيء إن
كان متعديًا بـ إلى كما هنا، وأما في قَوْله تَعَالَى: (فَلَنُوَلّيَنَّكَ) التولية متعد إلَى مَفْعُولَيْن
يستعمل إما بمعنى صيرتك واليًا أو بمعنى جعلتك قريبًا؛ ولذا فسر المصنف أحدهما هناك
والصرف هنا والشطر وإن كان ظرفًا يفيد معنى إلَى كما لا يخفى. وأشار إليه المصنف بقوله
نحوه وجوز صاحب الإرشاد كونه منصوبًا بنزع الخافض أو مَفْعُولًا ثانيًا، ولا يخفى ضعفه؛
لأن معنى المتعدي إلَى مَفْعُولَيْن لا يناسب هنا لأن جعل نفسه مستقبلًا إياها أو جعل جميع
بدنه قريبًا من جهتها لا يلائم في هذا المقام وإن كان له وجه في أداء المرام وأيد هذا في
البخاري عن البراء أنه قال: صلينا مع النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة
عشر شهرًا ثم صرفه نحو الْقبْلَة.
قوله:(نحوه وقيل الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل ودار
شطور أي منفصلة عن الدور ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل كالقطر). وقيل الشطر في
الأصل أي هُوَ في اللغة لما انفصل عن الشيء إما حسًا كما ذكره أو معنى مثل الإقرار شطر
الإيمان واسْتعْمَاله في الجزء شائع فالْمُرَاد بما انفصل عن الشيء أعم من الانفصال بالفعل
أو بالْقُوَّة؛ ولذا قال ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل والْمُتَبَادَر من كلامه أنه في الأصل
مشروط بالانفصال والتعميم بالنظر إلَى الاصْطلَاح فقوله نحوه إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد به معناه
العرفي أي جانبه وجزء منه، لكن هذا بالنظر إلَى القريب إلَى المسجد الحرام، وأما البعيد
فيكفيه التوجه إلَى جهته وسمته كما سيجيء، فعلم منه أن الْمُرَاد بنحوه جهته وسمته سواء
كان مصادفًا لجانبه وجزء منه كما في القريب أولًا كما في البعيد وهذا معنى ثالث لم ينبه
عليه صريحًا بل أشار إليه بقوله والبعيد يكفيه مراعاة الجهة. قيل ثم استعمل لجانبه وإن لم
ينفصل فحِينَئِذٍ يكون الشطر بمعنى بعض الشيء فلا يكون منصوبًا بتقدير في ولا بنزع
الخافض فلا بد من جعله مَفْعُولا ثانيًا وحِينَئِذٍ وإن لم يلزم وجوب رعاية جهة الجهة لكن
عدم مناسبته بإنجاز الوعد باقٍ فلذا مرضه.