والكلام هنا عن البيت والقول إنه وضع للناس والناس هم آدم وذريته حتى تقوم الساعة .. وعلى ذلك لابد أن نفهم أن البيت ما دام وضع للناس فالناس لم يضعوه .. ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضعه وحدده ، وعدل الله يأبى إلا أن يوجد البيت قبل أن يخلق آدم. ولذلك فإن الملائكة هم الذين وضعوه بأمر الله وحيث أراد الله لبيته أن يوضع .. والله مع نزول آدم إلي الأرض شرع التوبة وأعد هذا البيت ليتوب الناس فيه إلي ربهم وليقيموا الصلاة ويتعبدوا فيه. وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من البيت كان يكفي أن يقيمها على قدر طول قامته ولكنه أتى بالحجر ليزيد القواعد بمقدار ارتفاع الحجر .. ويريد الله سبحانه وتعالى بمقام إبراهيم واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلي أن الإنسان المؤمن لابد أن يعشق التكليف .. فلا يؤديه شكلا ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعا من جنس ما فرض الله عليه.
إن الحجر الموجود فِي مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه عليه السلام لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها. وإن الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم به حفر على شكر قدميه .. وهما بين قائل أن الحجر لأن تحت قدمي إبراهيم من خشية الله .. وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان فِي الحجر على هيئة قدميه .. حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلي أعلى ما يمكن ليعلى القواعد من البيت كان توازنه محفوظا. وقوله تعالى:"طهرا بيتي"دليل على البيت زالت معالمه تماما وأصبح مثل سائر الأرض فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات ، فأمر الله سبحانه وتعالى أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكانا لثلاث طوائف:"الطائفين"وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشيء .. ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون فِي الشوارع فِي أثناء الليل. والله جل جلاله يقول:
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)
(سورة القلم)