ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام ، وكان إقامة البينة أعظم نعمة ، وكانت الفواكه ألذ ما يكون ، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض في يبسها وكثافتها ، فكان كونها فيها عجباً دالاً على عظيم قدرته ، وكان ذكرها يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات ، بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور مرتين ، فقال مستأنفاً وصفها بما هو أعم: {فيها فاكهة} أي ضروب منها عظيمة جداً يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها في الصور والألوان ، والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن.
ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها ، نبه عليه بتعريف بنوع منها ، ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت ، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأول فقال: {والنخل} ودل على تمام القدرة بقوله: {ذات} أي صاحبة {الأكمام} أي أوعية ثمرها ، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر ، وكل نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو كمام ، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم ، قال البغوي: وكل ما ستر شيئاً فهو كم وكمة ، ومنه كم القميص ، وفيه تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن نباهم ، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه عن كثرة منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر منها.
ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول ، أتبعه الأصل في الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر ، فقال ذاكراً ثمرته لأنها المقصودة بالذات: {والحب} أي من الحنطة وغيرها ، ونبه على تمام القدرة بعد تنبيه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله: {ذو العصف} أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه الرياح التي تطيره ، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم.