والمعارك الحربية في الإسلام ليست معركة أسلحة وخيل ورجال فحسب، فتلك معركة جزئية، إنما المعركة الكبرى في عالم القلب، عالم الإيمان، عالم السلوك، عالم الأخلاق، لتتعلق القلوب والنفوس بالله وحده، وتتلقى منه ومن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتُؤْثر طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما يحبه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على كل شيء مهما كان.
والنفوس لا تنتصر في المعارك الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية
والأخلاقية، وتُؤْثر طاعة ربها على كل ما سواه.
والذين تولوا يوم التقى الجمعان في أُحد إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة مع الأنبياء هم الذين بدؤوا المعركة بالدعاء والاستغفار من الذنوب، وصدق اللجوء إلى الله وطاعته فتلك عُدَّة النصر.
وقدر الله وراء أفعال البشر، ففي غزوة أحد نصر الله المؤمنين في البداية، وما أن ضعف المسلمون وتنازعوا وعصوا وانصرفوا لجمع الغنائم إلا وصرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان فلاذوا بالفرار، ووقع كل هذا مرتباً على ما صدر منهم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) } [آل عمران: 152] .
وما حدث لهم مدبَّر من الله ليبتليهم لتمحيص النفوس، وتمييز الصفوف فصرفهم عنهم ليبتليهم، ولقد عفا الله عن المؤمنين لضعفهم وعدم إصرارهم على الخطيئة، وحسن نيتهم، وثباتهم على دينهم، والله ذو فضل على المؤمنين.