نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأمَرَ بِالأخْدُودِ فِي أفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأحْمُوهُ فِيهَا، أوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أمَّهِ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» أخرجه مسلم.
فحتى تحصل الأمة على النصرة والعزة لا بدَّ من التضحية الكاملة لتحصل النصرة للأمة، والهداية للبشرية.
والشيء الذي لا يكمل لا يثمر، والذي لا يثمر لا خير فيه، فالشجرة لا تثمر إلا بعد كمالها، والبنت لا تنكح وهي بنت سنتين.
فإذا كمل إيمان العبد كانت معه نصرة الله.
والعابد والقاعد قد يُقتل من قِبَل الكفار، ولكن الداعي لا يُقتل حتى يُجري الله على يديه شيئاً يبقى بعده كما آمن الناس بعد مقتل الغلام، فهو وإن مات فصحائفه تملأ بحسنات هؤلاء.
ونصرة الله تكون لمن نصر الله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) } [محمد: 7] .
والمؤمنون ينصرون الله بأمرين:
الأول: أن تتجرد نفوسهم لله وحده، فلا تشرك به شيئاً ظاهراً أو خفياً، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها وشهواتها، وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
الثاني: أن لله عزَّ وجلَّ شريعة ومنهاجاً للحياة، ونصر الله يتحقق بنصر شريعته ومنهاجه، وتحكيم أمره في كل شيء.
فهذا نصر الله في واقع الحياة.
وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، وإنما كانت كذلك معركة في ميدان النفس البشرية.