هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة، فأنجى الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده بأمر واحد، وبماء واحد، في آن واحد، ولكن تم ذلك بعد كمال الإيمان في القلب.
وحين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، لم تنزل عليهم نصرة الله؛ لنقضهم عهد الله.
ولكن لما استعلن الإيمان في قلوب الذين آمنوا بموسى، واستعدوا لاحتمال التعذيب جهروا بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تحرج، ودون اتقاء للتعذيب، أيدهم الله بنصره، وأعلن النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح
والقلوب كما قال سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) } [الشعراء: 61 - 68] .
إنه بكمال الإيمان يكون كمال النصر، فليرتقب الدعاة النصر من الله بهذا الإيمان، ولو كانوا مجردين من عدة الأرض، والطغاة يملكون المال والجند والسلاح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) } [الروم: 47] .
والنصر قد يبطئ على المؤمنين أحياناً؛ لأن بُنْيَة الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها المطلوب، ولم يتم بعدُ تمامها وكمالها، ولم تحشد بعدُ طاقتها، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً؛ لعدم قدرتها على حمايته طويلاً.
وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله.