أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في الشّعب، وقد نشبت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: اعل هبل (أكبر أصنامهم) ونادى المسلمون: اللَّه أعلى وأجل، فقال المشركون: إن لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم.
المناسبة:
بعد قسمة الناس إلى فريقين: فريق الكافرين الذين يتبعون الباطل وهم حزب الشيطان، وفريق المؤمنين الذين يتبعون الحق وهم حزب الرحمن، ذكر اللَّه تعالى حكم القتال عند التحزب، وأرشد المؤمنين إلى قواعد الحرب مع المشركين أثناء المعركة وبعد انتهائها.
التفسير والبيان:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ أي فإذا واجهتم الكفار في القتال، فاحصدوهم حصدا بالسيوف، واضربوا الرقاب ضربا. وهذا أمر بجهاد الكفار، وهم من لم يكن لهم عهد مع المسلمين، من المشركين وأهل الكتاب، عند وجود مسوغات القتال وتوافر العدوان، وهو قتال لا شفقة فيه ولا هوادة، وإنما يجب إعمال السلاح فيهم، حسبما تقتضي طبيعة الحرب، كما قال تعالى:
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة 2/ 193] .
هذا هو الحكم الأول في أثناء المعركة، أما بعد انتهاء المعركة فقال اللَّه تعالى:
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ، فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أي حتى إذا أكثرتم فيهم القتل، وغلبتموهم، وأصبحوا بلا قوة كالرجل المثخن بالجراح، فضعفوا واستكانوا وصاروا أسرى في أيديكم، وانتهت الحرب بإثخانهم وقهرهم، فأسروهم وأحكموا القيد عليهم لئلا يفلتوا ويهربوا.
وبعد الأسر أنتم مخيرون بين أمرين: إما المنّ عليهم بإطلاق سراحهم بلا مقابل أو بغير عوض، وإما الفداء بمبادلتهم بالأسرى المسلمين أو بدفع الفداء وهو المال الذي يفدي به الأسير نفسه من الأسر.