وذلك حتى لا يكون حرب مع الكفار ولا قتال، بأن يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة، أي إن غاية هذه الأوامر إنهاء الحرب والقتال. وهذا في الحقيقة حث على السلم المستتب، ليعيش الناس في سلام وأمان، ويتم تبادل الأفكار، وتنتشر دعوة الإسلام بالحكمة والإقناع، والحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، فليس انتشار الإسلام بالسيف كما يتصور بعض
الأعداء، وإنما كان انتشاره بالقناعة الذاتية، وبالاستحسان الحر الطليق دون إجبار ولا إكراه: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة 2/ 256] .
وصريح الآية يوجب القتل فقط قبل الإثخان، والتخيير بعد الأسر بين المن والفداء. وجاءت السنة مبينة جواز القتل بعد الأسر للمصلحة، كما جاء فيها إباحة الاسترقاق جريا على العادة السائدة في الماضي ومعاملة بالمثل. والظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن اللَّه تعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء.
ثم بيّن اللَّه تعالى الحكمة في شرع القتال، فقال:
ذلِكَ، وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي ذلك هو الحكم في قتال الكفار، واللَّه قادر على الانتصار من أعدائه بالانتقام منهم، وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب كالخسف والرجفة والغرق، دون قتال منكم أيها المؤمنون، ولكن اللَّه أمركم بحربهم ليختبر بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه، ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم، أو يحملهم الخوف على الإيمان بالله تعالى قبل نزول العذاب بهم، ومشاهدة قتل أمثالهم، فالحكمة من القتال: هي امتحان الناس واختبار صبرهم على المكاره: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران 3/ 142] .
ثم ذكر اللَّه تعالى ثواب الشهداء المجاهدين في سبيله قائلا:
1 -وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ أي إن المقتولين في سبيل اللَّه لا يضيع اللَّه سبحانه أجرهم، ولن يجعل أعمالهم ضائعة كما تضيع أعمال الكفار.