ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر رسوله - عليه السلام - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ثم لا يحتمل - أيضًا - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح - عليه السلام -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ، وقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) ، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضًا - لقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) ، وقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ...) الآية، هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل تكون إلى اللَّه - تعالى - وأعظم قربة عنده، واللَّه الموفق.
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ(31)
هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) ، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ، ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على أحد التأويلات، واللَّه أعلم.
والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول الناس: الصلاة أمر اللَّه: أي: مأمور اللَّه، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، أي: الموقن به، وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) ، أي: بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.