وَفِيهِ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَمْرَيْنِ: ضَرْبَ الْوَجْهِ، وَضَرْبَ الْأَدْبَارِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُمَا أَمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: اتِّبَاعُ مَا أسخط الله وكراهة رضوانه، فكأنه تَعَالَى قَابَلَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ) حَيْثُ أَقْبَلُوا عَلَى سُخْطِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُتَّسِعَ لِلشَّيْءِ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِ، وَيَضْرِبُونَ أَدْبَارَهُمْ لِأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَمَّا فِيهِ رِضَا اللَّهِ، فَإِنَّ الْكَارِهَ لِلشَّيْءِ يَتَوَلَّى عَنْهُ.
* «فَإِنْ قِيلَ» : هُمْ مَا كَانُوا يَكْرَهُونَ رِضْوَانَ اللَّهِ، بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَلَا نَطْلُبُ إِلَّا رِضَاءَ اللَّهِ، وَكَيْفَ لَا وَالْمُشْرِكُونَ بِإِشْرَاكِهِمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّا نَطْلُبُ رِضَاءَ اللَّهِ.
كَمَا قَالُوا (لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) [الزُّمَرِ: 3] وَقَالُوا (فَيَشْفَعُوا لَنا) [الْأَعْرَافِ: 53] ؟
فَنَقُولُ مَعْنَاهُ كَرِهُوا مَا فِيهِ رِضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى.