وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) قَدْ عُلِمَ مَعْنَى الْإِضْلَالِ، بَقِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَالضَّالِّ قَالَ (أَضَلَّ) [محمد: 1] وقال في حق المؤمن الداعي (فَلَنْ يُضِلَّ) لِأَنَّ الْمُقَاتِلَ دَاعٍ إِلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ قَوْلَهُ (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) قَدْ ذُكِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِثْمٌ بِسَبَبِ حَرْبٍ، وَذَلِكَ حَيْثُ يُسْلِمُ الْكَافِرُ فَالْمُقَاتِلُ يَقُولُ إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ وَإِمَّا أَنْ تُقْتَلَ، فَهُوَ دَاعٍ وَالْكَافِرُ صَادٌّ وَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ وَتَضَادٌّ فَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ (أَضَلَّ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَلَمْ يَقُلْ: يُضِلُّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَمَلَهُ حَيْثُ وُجِدَ عُدِمَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ (فَلَنْ يُضِلَّ) وَلَمْ يَقُلْ: مَا أَضَلَّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَمَلَهُ كُلَّمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أُثْبِتَ لَهُ، (فَلَنْ يُضِلَّ) لِلتَّأْبِيدِ وَبَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، كَمَا أَنَّ بَيْنَ الدَّاعِي وَالصَّادِّ غَايَةَ التَّبَايُنِ وَالتَّضَادِّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ (فَلَنْ يُضِلَّ) ؟
جَوَابُهُ لِأَنَّ فِي قوله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا) معنى الشرط.
(وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ(6)
فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْرِفُ منزلته ومأواه، حتى أن أهل الجنة يَكُونُونَ أَعْرَفَ بِمَنَازِلِهِمْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ يَنْتَشِرُونَ فِي الْأَرْضِ كُلُّ أَحَدٍ يَأْوِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِأَعْمَالِهِ يَهْدِيهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: عَرَّفَها لَهُمْ أَيْ طَيَّبَهَا يُقَالُ طَعَامٌ مُعَرَّفٌ الْوَجْهُ.
الثَّالِثُ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ (عَرَّفَهَا لَهُمْ) حَدَّدَهَا مِنْ عرف الدار وأرفها أي حددها، وتحديها فِي قَوْلِهِ (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [آلِ عِمْرَانَ: 133]