نَقُولُ لَيْسَ هَذَا سُؤَالٌ يَخْتَصُّ بِالِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لِمَ ابْتَلَى كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِمَ عَاقَبَ الْكَافِرَ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ، وَلِمَ خَلَقَ النَّارَ مُحْرِقَةً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهَا بِحَيْثُ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ؟
وَجَوَابُهُ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) وَنَقُولُ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ إِنَّهُ لِظُهُورِ الْأَمْرِ الْمُتَعَيِّنِ لَإِلَهٌ، وَبَعْدَ هَذَا فَنَقُولُ: الْمُبْتَلِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِابْتِلَاءِ، فَإِنَّ الْمُمْتَحِنَ لِلسَّيْفِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّورَةِ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى قَطْعِ مَا يُجَرِّبُ السَّيْفَ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا، كَمَا ضَرَبْنَا مِنْ مِثَالِ دَفْعِ السَّبُعِ بِالسَّيْفِ لَا يُقَالُ إنه يمتحن وقوله (لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ (ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) .
(وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ(4)
قُرِئَ (قَتَلُوا) وَ (قَاتَلُوا) وَالْكُلُّ مُنَاسِبٌ لِمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا مَنْ قَرَأَ (قَتَلُوا) فَلِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (فَضَرْبَ الرِّقابِ) وَمَعْنَاهُ فَاقْتُلُوهُمْ بَيَّنَ مَا لِلْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَتْلَ فَسَادٌ مُحَرَّمٌ إِذْ هُوَ إِفْنَاءُ مَنْ هُوَ مُكَرَّمٌ، فَقَالَ عَمَلُهُمْ لَيْسَ كَحَسَنَةِ الْكَافِرِ يَبْطُلُ بَلْ هُوَ فَوْقَ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ أَضَلَّ اللَّهُ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ، وَلَنْ يُضِلَّ الْقَاتِلِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَتْلُ سَيِّئَةً.
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ (قَاتَلُوا) فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَأَعَمُّ تَنَاوُلًا، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَعَى فِي الْقَتْلِ سَوَاءٌ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ وَالَّذِينَ (قُتِلُوا) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَنَقُولُ هِيَ مُنَاسِبَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوهٍ: