نَقُولُ نَعَمْ وَلِنُبَيِّنَهَا بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَوَّلًا فِي بَعْضِ السُّوَرِ قَدْ يَكُونُ صُدُورُ الْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ وَيَتْبَعُهُ الْمَصْدَرُ ضِمْنًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ فَاعِلٌ إِلَّا وَيَقَعُ مِنْهُ الْمَصْدَرُ فِي الْوُجُودِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا الْمَصْدَرَ وَلَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ فَاعِلٍ فَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ، مِثَالُهُ مَنْ قَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ.
فَيُقَالُ لَهُ: فَاخْرُجْ، صَارَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ صُدُورُ الْفِعْلِ مِنْهُ وَالْخُرُوجُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودِ الِانْتِفَاءِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ الْخُرُوجِ مِنْهُ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لَكِنْ مِنْ ضَرُورَاتِ الْخُرُوجِ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ ضَاقَ بِي الْمَكَانُ بِسَبَبِ الْأَعْدَاءِ فَيُقَالُ لَهُ مَثَلًا الْخُرُوجُ يَعْنِي الْخُرُوجَ فَاخْرُجْ فَإِنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ فَاعِلٍ لَحَصَلَ الْغَرَضُ لَكِنَّهُ مُحَالٌ فَيَتْبَعُهُ الْفِعْلُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ فِي الْأَنْفَالِ الْحِكَايَةُ عَنِ الْحَرْبِ الْكَائِنَةِ وَهُمْ كَانُوا فِيهَا وَالْمَلَائِكَةُ أُنْزِلُوا لِنُصْرَةِ مَنْ حَضَرَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَصُدُورُ الْفِعْلِ منه مطلوب، وهاهنا الْأَمْرُ وَارِدٌ وَلَيْسَ فِي وَقْتِ الْقِتَالِ بِدَلِيلِ قوله تَعَالَى: (فَإِذا لَقِيتُمُ) وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ كَوْنِ الْمَصْدَرِ مَطْلُوبًا لِتَقَدُّمِ الْمَأْمُورِ عَلَى الْفِعْلِ قَالَ: (فَضَرْبَ الرِّقابِ) وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَبْيِينُ فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ هُنَاكَ (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) [الْأَنْفَالِ: 12] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ الْقِتَالِ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْمَقْتَلِ وَغَيْرِهِ إِنْ لم يصيبوا المقتل، وهاهنا لَيْسَ وَقْتُ الْقِتَالِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْقَتْلُ وَغَرَضُ الْمُسْلِمِ ذَلِكَ.