ثم التفت إلى حبيبه محمد وخاطبه عزّ خطابه بقوله"فَاصْبِرْ"يا سيد الرسل على أذى قومك وتحمل جفاهم ولا يهمنك عدم سماعهم لقولك وما تتلوه عليهم من كتابك ، فقد صبر قبلك الرسل إخوانك على أقوامهم حتى أتاهم الوقت المقدر لعذابهم ، وأنت اصبر إلى أن يحين عذابهم الذي وعدناك به"إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ"بإظهار دينك وإعلاء كلمتك ونصرتك عليهم وإهلاكهم"حَقٌّ"منجز لا يخلف عن موعده المقدر له"وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ"الذي تراه ذنبا بالنسبة لمقامك ، وإن لم يكن ذنبا بالنسبة لأمتك كترك ما عمله أولى وأفضل ، وهذا من قبيل التعبد لزيادة الدرجات له صلّى اللّه عليه وسلم ولتستنّ أمته بذلك ، وقدمنا بأن الذي يعد ذنبا على الأنبياء هو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وأوضحنا ذلك في الآية 65 من سورة الزمر المارة وغيرها ، وهذا الاستغفار أحد قسمي الطاعة وهي التوبة عما لا ينبغي فعله ، والقسم الثاني الاشتغال بما ينبغي فعله ، وهو قوله تعالى قوله"وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ 55"بعد التوبة لأن التوبة من قبيل التخلية ، والتسبيح بعدها من قبيل التحلية ، والتحلية تكون عادة بعد التخلية.
مطلب الآيتان المدنيتان وعصمة الأنبياء وكلمات لغوية والدجال ومن على شاكلته:
وهاتان الآيتان المدنيتان من هذه السورة ، قال تعالى"إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ"وهم كفار اليهود الجهلة فهم"إِنْ فِي صُدُورِهِمْ"مما يجادلون به ما هو"إِلَّا كِبْرٌ"في نفوسهم حملهم عليها وانهم مهما تعاظموا