فأما الشوط الثالث فيبدأ بتقرير أن الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان إنما يدفعهم إلى هذا كبر في نفوسهم عن الحق , وهم أصغر وأضأل من هذا الكبر . ويوجه القلوب حينئذ إلى هذا الوجود الكبير الذي خلقه الله , وهو أكبر من الناس جميعاً . لعل المتكبرين يتصاغرون أمام عظمة خلق الله ; وتتفتح بصيرتهم فلا يكونون عمياً: (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء . قليلاً ما تتذكرون) . ويذكرهم بمجيء الساعة , ويوجههم إلى دعوة الله الذي يستجيب للدعاء . فأما الذين يستكبرون فسيدخلون جهنم أذلاء صاغرين . ويعرض في هذا الموقف بعض آيات الله الكونية التي يمرون عليها غافلين . يعرض الليل سكناً والنهار مبصراً . والأرض قراراً والسماء بناء . ويذكرهم بأنفسهم وقد صورهم فأحسن صورهم . ويوجههم إلى دعوة الله مخلصين له الدين . ويلقن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يبرأ من عبادتهم , ويعلن نهي ربه له عن آلهتهم , وأمره له بالإسلام لرب العالمين . ويلمس قلوبهم بأن الله الواحد هو الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة . . وهو الذي يحيي ويميت . ثم يعود فيعجب رسوله (صلى الله عليه وسلم) من أمر الذين يجادلون في الله ; وينذرهم عذاب يوم القيامة في مشهد عنيف: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) . . وإذ يتخلى عنهم ما أشركوا وينكرون هم أنهم كانوا يعبدون شيئاً ! وينتهي بهم الأمر إلى جهنم يقال لهم: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) . . وعلى ضوء هذا المشهد يوجه الله رسوله إلى الصبر مرة أخرى , والثقة بأن وعد الله حق . سواء أبقاه حتى يشهد بعض ما يعدهم أو توفاه قبل أن يراه . فسيتم الوعد هناك . .