قلت: هو حديث أخرجه الإمام أحمد، والحاكم - وصححه - عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"نِعْمَ الْمالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ".
وفيه دليل على أنه لا منافاة بين الصلاح والمال إذا كان مأخوذاً من حقه، موضوعاً في محله، وقد طلب سليمان بن داود عليهما السلام من الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فلما أوتيه طلب من الله تعالى أن يُوزِعه للشكر، ويدخله في الصالحين، فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [سورة النمل: 19]
ولولا أن سليمان عليه السلام علم أن الملك وكثرة الأموال وعروض الدنيا لا يمنع من أن يكون الرجل صالحاً لم يسأل الله تعالى أن يدخله في الصالحين؛ بل الصالح الغني من أقوى الصلحاء لاستقامة قلبه مع الغنى على تقوى الله تعالى.
ولقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ابتلينا بفتنة الضراء
فصبرنا، وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر.
وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: قلت لأبي سليمان رحمه الله تعالى: كان عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف موسرين.
قال: اسكت؛ إنما كان عثمان وعبد الرحمن خازنين من خزان الله في أرضه، ينفقان في وجوه الخير.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد الزهد"عن يحيى بن أبي كثير قال: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من سعد بن عبادة كل يوم جفنة تدور معه حيثما دار من نسائه.
قال: وكان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مالاً؛ فَإِنَّهُ لا يُصْلحُ الفِعالَ إِلاَّ الْمالُ.
قلت: وينبغي للغني إذا أراد أن يكون من الصالحين أن يقتدي بالأغنياء الصالحين كسليمان، ويوسف عليهما السلام، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما؛ فإن سليمان عليه السلام كان يطبخ في مطبخه جِفان الطعام الطيِّب، فإذا أفطر أفطر على خبز
الشعير وجريش الملح.
وكان يوسف عليه السلام يجوع وبيده خزائن الأرض، فيقال له في ذلك، فيقول: أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين.