قال: وجدت في التوراة: أنه لم يكن حكيم في قوم إلا كان أزهدهم فيه قومه، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان في حَسَبِه شيء عيروه به، وإن كان عمل برهة من دهره ذنباً عيروه به.
وروى أبو نعيم عن شر حبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أن كعب الأحبار قال له: كيف تجد قومك فيك يا أبا مسلم؟
فقال: أجدهم يا أبا إسحاق يُجِلُّوني ويكرموني.
فقال له كعب: ما هكذا تقول التوراة يا أبا مسلم.
قال أبو مسلم: فكيف تقول التوراة يا أبا إسحاق؟
فقال كعب: تقول: إن أعدى الناس للرجل الصالح قومُه، يخاصمه الأقرب فالأقرب.
قال أبو مسلم: وصدقت التوراة.
* فائِدَةٌ ثامِنَةٌ:
نقل حجة الإسلام في"الإحياء"عن بعضهم قال: إذا أبغض الله عبداً أعطاه الله ثلاثاً، ومنعه ثلاثاً:
أعطاه صحبة الصالحين، ومنعه القبول منهم.
وأعطاه الأعمال الصالحة، ومنعه الإخلاص فيها.
وأعطاه الحكمة، ومنعه الصدق فيها.
ونقل السلمي في"الحقائق"عن أبي عثمان رحمه الله تعالى أنه قال: علامة قسوة القلب أن لا تعمل فيه الموعظة، ولا تؤثر فيه النصيحة، ولا تظهر فيه بركة مجالسة الصالحين.
وروي عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً زوى عنه الخذلان، وأسكنه بين الفقراء الصادقين، وإذا أراد بعبد شراً عطله عن الأعمال الصالحة حتى تكون على قلبه أثقل من الجبال، وأسكنه بين الأغنياء.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:
ينبغي للعبد إذا قصرت همته عن مراتب الصالحين أن يحزن لذلك، ويؤفف على نفسه، ويعاتبها على التقصير عنهم، كما روى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: إذا ذكر الصالحون فأُفِّ لي وتف.
وروى هو وأبو نعيم عن أيوب السختياني قال: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل.
وروى ابن الجوزي في"صفة الصفوة"عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي رحمه الله تعالى، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد! ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟
فقال: يا سفيان! وما يمنعني من البكاء؛ وإذا ذكرت مناقب أهل الخير كنت منهم بمعزل؟