46 - {وَمَا} نافية {تَأْتِيهِمْ} تنزل إليهم {مِنْ} : مزيدة لتأكيد العموم {آيَةٍ} تنزيلية، كائنة {مِنْ} تبعيضية {آياتِ رَبِّهِمْ} التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل، من بدائع صنع الله، وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها، والإيمان بها {إِلَّا كانُوا عَنْها} متعلق بقوله: {مُعْرِضِينَ} والجملة حال من مفعول {تأتي} ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي: وما تأتيهم آية من آيات ربهم، في حال من الأحوال، إلا حال إعراضهم عنها، على وجه التكذيب والاستهزاء. ويجوز أن يراد بالآيات: ما يعم الآيات التنزيلية والتكوينية، فالمراد بإتيانهم: ما يعم نزول الوحي، وظهور تلك الأمور لهم. والمعنى: ما يظهر لهم آية من الآيات الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية، إلا كانوا تاركين النظر الصحيح فيها، المؤدي إلى الإيمان به تعالى. فكل ما في الكون فهو مركز صفة من صفاته تعالى، وسر من أسرار ذاته.
ومعنى الآيتين: أي وإذا قيل لهؤلاء المكذبين بما نزل الله من الآيات: احذروا ما مضى بين أيديكم من نقم الله، ومثلاته التي حلت بمن قبلكم من الأمم، وخافوا أن يحل بكم مثلها من جراء شرككم وتكذيبكم لرسوله، وما خلفكم؛ أي: وما بعد هلاككم مما أنتم قادمون عليه إن متم على كفركم الذي أنتم عليه، لعل ربكم يرحمكم ويغفر لكم ما اجترحتم من السيئات .. أعرضوا ونكصوا على أعقابهم مستكبرين. ثم بين أن الإعراض ديدنهم، وليس ببدع منهم، فقال: {وَما تَأْتِيهِمْ ..} إلخ؛ أي: وما تجيء هؤلاء المشركين حجة من حجج الله، الدالة على توحيده وتصديق رسوله، إلا بادروا بتكذيبها، وأعرضوا عنها، وتركوا النظر الصحيح المؤدي إلى الإيمان به ومعرفة صدق رسوله.
الخلاصة: أنه ما ظهرت لهم آية من الآيات الناطقة، ببدائع صنع الله، وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها إلا أعرضوا عنها مكذبين مستهزئين، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث في صدقها، والاستدلال بها على وحدانيته وصدق رسوله.