قال إمام الحرمين، وغيره من الفضلاء: لا خلاف أن الشمس تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين، والليل يطول عند قوم ويقصر عند قوم آخرين. وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويين أبدًا. والأرض مدورة مسيرة خمس مائة عام، كأنها نصف كرة مدورة، فيكون وسطها أرفع. وحول الأرض البحر الأعظم، المحيط فيه ماء غليظ منتن، لا تجري فيه المراكب، وحول هذا البحر جبل قاف، خلق من زمرد أخضر، والسماء مقببة عليه، ومنه خضرتها.
وقرئ: {إلى مستقر لها} . وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن رباح، وزين العابدين، وابنه الباقر، والصادق بن الباقر، وابن أبي عبدة {لا مستقرَّ لها} نفيًا مبنيًا على الفتح، فيقتضي انتفاء كل مستقر. وذلك في الدنيا؛ أي: هي تجري دائمًا فيها لا تستقر. وقرأ ابن أبي عبلة {لا مستقرٌّ لها} برفع مستقر، وتنويه على إعمال {لا} عمل {ليس} ، نحو قول الشاعر:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا ... ولا وزر مما قضى الله واقيًا
{ذلِكَ} الجري البديع، المنطوي على الحكم العجيبة التي تتحير في فهمها العقول والأفهام {تَقْدِيرُ} وتدبير {الْعَزِيزِ} ؛ أي: الغالب بقدرته على كل مقدور {الْعَلِيمِ} ؛ أي: المحيط علمه بكل معلوم، وتقدير الله الأشياء أن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص حسبما اقتضته الحكمة البالغة.
وقيل معنى الآية: أي والشمس تجري حول مركز مدارها الثابت، الذي تسير حوله بحسب وضعها النجمي. فقد ثبت أن لها حركةً رحويةً حول هذا المركز، تقدر بمئتي ميل في الثانية الواحدة. وهذا الوضع العجيب من تقدير العزيز القاهر لعباده، القابض على زمام مخلوقاته، العليم بأحوالها، الذي لا تخفى عليه خافية من أمرها.