"يس قلب القرآن"وهذه المسألة لم تأتِ إلا في يس، لذلك كانت هي قلب القرآن لأنها جاءت بآخر مرحلة من مرَاحل الرسالات التطوعية التي تخدم الرسالة الواجبيّة. وما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن يس قلب القرآن، فعلى المؤمن أنْ يقبل كل ما جاء في فضلها مما صَحَّ عن رسول الله، وليس من الضروري أن نقف على عِلَّة كل شيء، لأن الإيمان كما قلنا غيب ومشهد، والمؤمن يأخذ من صِدْق ما شاهد دليلاً على صِدْق ما غاب عنه. إذن لنأخذ هذه الأحاديث على العين والرأس، حتى إن قرأتَ يس، فلم تجد ما أخبرتْ به الأحاديث، فيكفيك أنك تقرأ كلام الله، ولن تُعدم الخير على أيِّ حال لذلك رأينا بعضهم يضع الأحاديث التي تحثُّ على قراءة القرآن. وقد ورد في حديث أُبيٍّ أن المريض الذي تُقرأ عنده يس تأتيه صفوف الملائكة على قدر كل حرف منها عشرة آلاف مَلَك، لا يفارقونه حتى يموت، ثم يشهدون تغسيله، ويشهدون تشييعه، والصلاة عليه ودفنه. وفي رواية أخرى مَنْ قُرئت عنده يس وهو مريض، أو قرأها هو لنفسه يأتيه جبريل عليه السلام بكأس فيه ماء، فيشربه شربةً لا يظمأ بعدها، ولا يحتاج إلى أحواض الأنبياء. هذا كله وغيره على العين والرأس، وتحقق معناه عندنا، أو لم يتحقق. وقوله سبحانه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس 22 يعني لا تظنوا أنكم تفلتون من الله لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية إليه والمرجع، فإنْ لم تُقدِّروا نعمة الإيجاد فقدِّروا مغبة العَوْد. ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يس 22 ثم يعدل عن الإفراد إلى خطاب الجماعة والقوم المكذِّبين {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس 22 ولم يَقُلْ وإليه أرجع، لماذا؟ قالوا لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما تأتي على مراحل ثلاث الأولى أنْ تطيع مَنْ تجد فيه نموذجاً كمالياً يستحق أن يُطاع، ويستحق أنْ يُحمد لكماله، وإنْ لم يَعُدْ عليك منه شيء، كما تنظر مثلاً إلى قصيدة رائعة معبِّرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت لا يعود عليك شيء منها لكنك تُقدِّر الشاعر لذاته. الثانية أن تطيع إنساناً وتُقدِّره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيراً ما نرى الناس يخدمون رجلاً جباناً لا يستحق أنْ يخدم، وما خدمه الناسُ إلا طمعاً فيما عنده. والمرحلة الثالثة أنْ تطيع شخصاً أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاءَ شرِّه. وقد حقق