البقرة 143، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أنْ تشهدوا على الناس أنكم بلَّغتموهم لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول. لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولاً ولم يكلِّفه أحد بهذا، إنما تطوَّع به لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف.
ثم نراه يُطبِّق المسألة على نفسه أولاً، فيقول {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يس 22 وهذا تلطُّف في عرض الدعوة وأحرى أنْ تُقبل. وقوله {وَمَا لِيَ} يس 22 كأنه يتعجب من أمر نفسه لو أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان - عليه السلام
{مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ}
النمل 20. فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول لا بُدَّ أن يكون الهدهد موجواً لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل موجود، فالعجب عندي أنا ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر
{أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ}
النمل 20 يعني إما أنْ يكون المانع من عندي أنا، أو من عنده، كأنه يُشكِّك في الأول، ثم يُدقِّق فيجده من عنده هو. فقوله {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس 22 كأن أمر الفطرة والخَلْق يقتضي أن تَعْبد الذي فَطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي العجب. لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}
البقرة 28 يعني كيف يكون ذلك منكم، إنَّ كفركم بالله الذي خلقكم ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم بها. والفَطْر الخَلْق العجيب على غير مثال سابق لذلك يقول سبحانه عن نفسه
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}