ولكن قبل حكاية هذه القصة وهذا الموقف، الله تعالى ردَّ على شبهة أخرى قالوها على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنه شاعر، وهل القرآن شعر؟ وهل القرآن مصنوعٌ صناعة الشعر، على وزن معين وقافية معينة؟ أو شكله شكل القصيدة؛ منقسمةٌ إلى أبيات، وكل بيت إلى شطرين وهكذا، شكله حتى لأي ناظر لو نظر في صفحة القرآن، ونظر في قصيدة من الشعر، ولا يعرف شيئًا عن اللغة ولا شيئًا عن شيء، لقال: هذه الصورة غير هذه الصورة، هذه الكتابة غير هذه الكتابة، هذا الكلام غير هذا الكلام؛ ولكن من جحودهم قالوا: شاعر، فقال الله تعالى:"وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا" [يس: 69، 70] ؛ أي: من بقيت فيه حياة، فكثيرٌ من الذين يمشون على أرجلهم في الدنيا أموات، أمواتٌ يلبسون أثواب الأحياء، أمواتٌ يعيشون حياة كاذبة، لا يشعُرون، لا يعلمون، لا يفقهون، فهم أموات يعيشون بين الأحياء، ماتت قلوبهم، فسدت أمزجتُهم، تبلَّدت أحاسيسهم، اختلَّت موازينهم، فتراه حيًّا؛ ولكنه في الواقع ميت، قلبه ميت، أولئك الذين تنكروا للصادق الأمين صلى الله عليه وسلم الذي ما كذب عليهم مرة في أربعين عامًا، صاحبهم وخالطهم وعايشهم، وفي الحياة الطويلة هذه مشاكل واحتكاكات ومواقف صعبة من غضبٍ ونحوه، ومع ذلك ما جرَّبوا عليه كذبًا قط صلى الله عليه وسلم، ثم ينكرون صدقه بين لحظةٍ وأخرى، ثم ينكرون نسبه ولم يراعوا قرابته، إنَّ تلك لقلوبٌ متحجِّرة، قلوبٌ ميتة؛ بل هي أشدُّ قسوة من الحجارة، كما وصف ربنا في القرآن"وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" [البقرة: 74] ؛ أي: من الأحجار من يفيض بالحياة وبماء الحياة، ومن الأحجار ما إذا فتحته وجدت داخله حياة، قد تجد داخل الحجر حشرةً تسعى وتعيش، وربما ترى حجرًا هبط من خشية الله؛ خوفًا من الله وإجلالًا لله؛ كالجبل جبل الطور الذي اندكَّ حينما تجلَّى الله له، سبحانك ربي، وأنتم أيها البشر.