أما في البداية: فبأنه لما عرض الله تعالى الأمانة على السماوات وأهلها والأرض وأهلها والجبال وأهلها {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] لأنه ظلم على نفسه لما قصد وضع الأمانة القديمة بحملها في غير موضعها، وهو محمل الإنسان الذي خلق ضعيفاً ولهذا لما زلت قدم آدم عليه السلام من ثقل حمل الأمانة، قال:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] أي: بحمل الأمانة الثقيلة وإنما {اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] بعد زلة قدمه استحقاقاً؛ لأنه لو لم يحملها لبقيت الأمانة غير محمولة، ولما كانت الحكمة في عرضها حملها فلو لم تحمل لكان الغرض لحملها عبثاً وهل جناب القدس الإلهي أن يقع فعل من أفعاله عبثاً فآدم عليه السلام إنما ظلم نفسه بحملها تاركاً لحظوظه راغباً لحقوق الحق تعالى؛ لئلا يقع عرض الأمانة من الله عبثاً فأبت المخلوقات أن تحملنها رعاية لحظوظ أنفسهم.
وقد ظلم الإنسان على نفسه رعاية لحقوق ربه، فلا جرم قدسه الله على الملائكة المقربين وأمرهم بسجوده لظلمه على نفسه إيثاراً لربه، فثبت أن الظالم أولى بالتقديم، ولنا ظلمه في الوسط على نفسه، فبإعراضه عن الدنيا وترك زينتها على خلاف طبع نفسه ونهى نفسه عن هواها وفطامها عن شهواتها الحيوانية ومألوفاتها الإنسانية وتكليفها على الطاعات والعبادات، وتزكيتها عن أوصافها بالمجاهدات والرياضات وبتركها الأوطار والأوطان ومفارقتها عن الإخوان والأخذان ومهاجرتها عن الأهالي والبلدان ومقاساة الشدائد في الأسفار بالمشي على الأقدام وركوب الأهوال في البوادي والجبال والصبر في البلاء عند نزول القضاء وبذل الروح في محاربة الأعداء، وأمثال هذا مما يعالجون به أرباب الطلب وأهل الإرادة نفوسهم.