والمعنى: أنه عالم بكل شيء ، ومن ذلك أعمال لا تخفى عليه منها خافية ، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً كما قال سبحانه: {وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] .
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} تعليل لما قبله ، لأنه إذا علم مضمرات الصدور ، وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى.
وقيل: هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى {هُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف فِى الأرض} أي: جعلكم أمة خالفة لمن قبلها.
قال قتادة: خلفاً بعد خلف ، وقرناً بعد قرن ، والخلف: هو التالي للمتقدّم.
وقيل: جعلكم خلفاءه في أرضه {فَمَن كَفَرَ} منكم هذه النعمة {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: عليه ضرر كفره ، لا يتعدّاه إلى غيره {وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً} أي: غضباً ، وبغضاً {وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} أي: نقصاً وهلاكاً ، والمعنى: أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلاّ المقت ، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلاّ الخسار.
ثم أمره سبحانه أن يوبخهم ، ويبكتهم ، فقال: {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي: أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة ، وعبدتموهم من دون الله ، وجملة {أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض} بدل اشتمال من أرأيتم ، والمعنى: أخبروني عن شركائكم ، أروني أيّ شيء خلقوا من الأرض؟ وقيل: إن الفعلان ، وهما أرأيتم ، وأروني من باب التنازع.
وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات} أي: أم لهم شركة مع الله في خلقها ، أو ملكها ، أو التصرف فيها حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية {قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ} أي: أم أنزلنا عليهم كتاباً بالشركة {فَهُمْ على بينات مِنْهُ} أي: على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب.