فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلما كثرت الغنم وتنحّى صار يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر، ويصلي بقية الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا:
يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين رجل من بني سليم، ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب الصدقة، وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب، وبرجل آخر من بني سليم، فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأيا قالا: ما هذا؟ قال: خذاه، فإن نفسي به طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ إذهبا حتى أرى رأيا. قال: فذهبا من عنده، وأقبلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ 75 فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 76 فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ 77 أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 78}
وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: