وجملة {أنتم الفقراء} تفيد القصر لتعريف جزأيْها ، أي قصر صفة الفقر على الناس المخاطبين قصراً إضافياً بالنسبة إلى الله ، أي أنتم المفتقرون إليه وليس هو بمفتقر إليكم وهذا في معنى قوله تعالى: {إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم} [الزمر: 7] المشعر بأنهم يحسبون أنهم يغيظون النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قبول دعوته.
فالوجه حمل القصر المستفاد من جملة {أنتم الفقراء} على القصر الإِضافي ، وهو قصر قلب ، وأما حمل القصر الحقيقي ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه.
وإتباع صفة {الغني} بـ {الحميد} تكميل ، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه لما كان غنياً عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه ، فنبه على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الآخرى {إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم} [الزمر: 7] بقوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7] .
ومن المحسنات وقوع {الحميد} في مقابلة قوله: {إلى الله} كما وقع {الغني} في مقابلة قوله: {الفقراء} لأنه لما قيد فقرهم بالكون إلى الله قيدّ غنى الله تعالى بوصف {الحميد} لإفادة أن غناه تعالى مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه.
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16)
واقع موقع البيان لما تضمنته جملة {وهو الغني الحميد} [فاطر: 15] من معنى قلة الاكتراث بإعراضهم عن الإِسلام ، ومن معنى رضاه على من يعبده فهو تعالى لغناه عنهم وغضبه عليهم لو شاء لأبادهم وأتى بخلق آخرين يعبدونه فخلصَ العالَم من عصاة أمر الله وذلك في قدرته ولكنه أمهلهم إعمالاً لصفة الحلم.
فالمشيئة هنا المشيئة الناشئة عن الاستحقاق ، أي أنهم استحقوا أن يشاء الله إهلاكهم ولكنه أمهلهم ، لا أصل المشيئة التي هي كونه مختاراً في فعله لا مُكره له لأنها لا يحتاج إلى الإِعلام بها.