أي: وإن كثيرا من الناس لفي انشغال تام بدنياهم عن آخرتهم، ولا يؤمنون بما في الآخرة من حساب وثواب وعقاب، بل يقولون: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، وعلى رأس هذا الصنف من الناس مشركو مكة الذين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
وقال - سبحانه -: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ .. للإشعار بان هناك عددا قليلا من الناس - بالنسبة لهؤلاء الكثيرين - قد آمنوا بلقاء ربهم، واستعدوا لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذي يرضى خالقهم - عز وجل - .
ثم قرعهم - سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم قبلهم، فقال - تعالى -: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...
أي: أقعد مشركو مكة في ديارهم، ولم يسيروا في الأرض سير المتأملين المتفكرين المعتبرين فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، من الأمم الماضية، كقوم عاد وثمود، وقوم لوط.
وقوله - سبحانه -: كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً بيان لحال هؤلاء الأقوام السابقين وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي: كان أولئك السابقون أقوى من أهل مكة في كل مجال من مجالات القوة، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض، وتهيئتها للزراعة، واستخراج خيراتها من باطنها.
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي: حرثوا الأرض وشقوا عن باطنها، وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها، لأن أولئك الأقوام السابقين كانوا أقوى من كفار مكة، وكانوا أكثر دراية بعمارة الأرض.
وهؤلاء الأقوام السابقون: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات الواضحات، وبالحجج الساطعات، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله - تعالى - فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي: فما كان الله - تعالى - من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب.
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصي ما كان سببا في هلاكهم.
ثم بين - سبحانه - المصير السيئ، الذي حل بهؤلاء الكافرين فقال: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى.