وإعمار الأرض يكون بكل مظهر من مظاهر الرقي والحياة ، إما بالزرع أو الغًرْس ، وإما بالبناء ، وإما بشقِّ الأنهار والمصارف وإقامة الطرق وغير ذلك مما ينفع الناس ، ونُفرِّق هنا بين الزرع والغَرْس: فالزرع ما تزرعه ثم تحصده مرة واحدة كالقمح مثلاً ، أما الغرس فما تغرسُه ، ويظل فترة طويلة يُدر عليك ، فمحصوله مُتجدِّد كحدائق الفاكهة ، والزرع يكون ببذْر الحبِّ ، أما الغرس فنبتة سبق إعدادها تُغرس .
ثم يقول سبحانه: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ...} [الروم: 9] فبعد أنْ أعطاهم مقوِّمات الحياة وإمكانات المادة وطاقاتها ، وبعد أنْ جَنَوْا ثمارها لم يتركهم للمادة إنما أعطاهم إمكانات القيم والدين ، فأرسل لهم الرسل {بالبينات ...} [الروم: 9] أي: الآيات الواضحات الدالة على صِدْق الرسول في البلاغ عن ربه وهذه التي نسميها المعجزات .
وسبق أنْ ذكرنا أن كلمة الآيات تُطلَق على معانٍ ثلاثة: آيات كونية دالة على قدرة الصانع سبحانه كالشمس والقمر ، وآيات تُؤيِّد الرسل وتُثبت صِدْقهم في البلاغ عن الله وهي المعجزات ، وآيات القرآن التي تحمل الأحكام والمنهج ، وكلها أمور واضحة بينة .
وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] نعم ، ما ظلمهم الله ؛ لأنه سبحانه أمدهم بمقوِّمات الحياة وإمكانات المادة ، ثم أمدهم بمقومات الروح والقيم ، فإنْ حادوا بعد ذلك عن منهجه سبحانه فما ظلموا إلا أنفسهم .
ثم نقول: كيف يتأتَّى الظلم من الله تعالى؟ الظلم يقع نعم من الإنسان لأخيه الإنسان ؛ لأنه يحقد عليه ، ويريد أنْ يتمتع بما في يده ، فالظالم يأخذ حقَّ المظلوم الذي لا قدرةَ له على حماية حقه . فكيف إذن نتصور الظلم من الله - عز وجل - وهو سبحانه مالك كل شيء ، وغني عن كل شيء؟ إذن: ما ظلمهم الله ، ولكن ظلموا أنفسهم حينما حادوا عن طريق الله ومنهجه .