وكُنْ رجلاً كالضِّرس يرسُو مكَانَهُ ... ليَمْضُغَ لاَ يَعْنيه حُلْو ولاَ مُرّ
فالمعنى {الذين صَبَرُواْ ...} [العنكبوت: 59] على الإيذاء {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] أي: في الرزق ، وكان المهاجرون عند هجرتهم يهتمون لأمر الرزق يقولون: ليس لنا هناك دار ولا عقار ولا . . إلخ . فأراد سبانه أنْ يُطمئِن قلوبهم على مسألة الرزق ، فقال {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] .
فالذي خلقك لا بُدَّ أنْ يخلق لك رزقك ، ومن عجيب أمر الرزق أن رزقك ليس هو ما تملك إنما ما تنتفع به حقيقة ، فقد تملك شيئاً ويُسرق منك ، وقد يُطهى لك الطعام ، ولا تأكله ، بل أدقّ من ذلك قد تأكله ولا يصل إلى معدتك ، وربما يصل إلى المعدة وتقيئه ، وأكثر من ذلك قد يتمثل الغذاء إلى دم ثم ينزف منك في جُرْح أو لدغة بعوضة أو غير ذلك ؛ لأن هذا ليس من رزقك أنت ، بل رزق لمخلوق آخر .
إنك تعجب حينما ترى التمساح مثلاًعلى ضخامته وخوف الناس منه ، ومع ذلك تراه بعد أنْ يأكل يخرج إلى اليابسة ، حيث يفتح فمه لصغار الطيور ، فتتولى تنظيف ما بين أسنانه من فضلات الطعام ، وترى بينهما انسجاماً تاماً وتعاوناً إيجابياً ، فحين يتعرض التمساح مثلاً لهجمة الصياد يُحدِث صوتاً معيناً يفهمه التمساح فيسرع بالهرب .
فانظر من أين ينال هذا الطير قوته؟ وأين خبأ الله له رزقه؟ لذلك يقولون (اللي شَقُّه خلق لقُّه) .
وسبق أن ضربنا مثلاً على خصوصية الرزق بالجنين في بطن أمه ، فحينما تحمل الأم بالجنين يتحول الدم إلى غذاء للطفل ، فإنْ لم تحمل نزل هذا الدم ليرمي به دون أنْ تستفيد منه الأم ، لماذا؟ لأنه رِزْق الجنين ، وليس رزقها هي .
لذلك نجد الآية بعدها تقول: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ ...} .