يذكر إهلاك هذه الأمم والجبابرة لأهل مكة ولغيرهم من الكفرة، وقد تواترت عليهم بذلك الأخبار، وظهرت الأعلام والآثار ليرتدعوا عما هم عليه، ولئلا يعاملوا رسولهم كما عامل أُولَئِكَ رسلهم فيعذبون كما عذب أُولَئِكَ.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) في تعذيبه إياهم (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) حيث كذبوا الرسل، وكابروا آيات اللَّه وحججه وبراهينه وعاندوها، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (سِيءَ) . أي: اغتم من ذلك؛ يقال: سئت بفلان أساء سوءًا؛ فأنا مسوء.
وقوله: (جَاثِمِينَ) . أي: لزقوا بالأرض.
(وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) . أي: قد علموا، والمستبصر: العالم.
وقوله: (أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) . أي: صيح بهم فماتوا.
قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)
والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع.
وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء ببيت العنكبوت هم الرؤساء منهم والمتبوعون. يقول - واللَّه أعلم -: مثل اتخاذكم أُولَئِكَ أولياء من دون اللَّه وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحرّ والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هَؤُلَاءِ أولياء من دون اللَّه مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ. .) الآية.