وأوضح من هذا قوله تعالى في شأن المسجد الحرام: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...} [آل عمران: 97] فلما حدث أن اقتحمه بعض أصحاب الأهواء ، وأطلقوا النار في ساحاته ، وقتلوا فيه الآمنين قامتْ ضجة كبيرة تُشكِّك في هذه الآية: كيف يحدث هذا والله يقول {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...} [آل عمران: 97] فأقاموا هذه الأحداث دليلاً على كذب الآية والعياذ بالله .
وهذا المسلك منهم يأتي عن عدم فهم لمعنى الأمر الكوني والأمر التشريعي ، فقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ...} [آل عمران: 97] أمر تشريعي قابلٌ لأنْ يُطاع ، ولأنْ يٌعصي ، كأن الحق - سبحانه وتعالى - قال: أمِّنُوا مَنْ دخل البيت ، فبعض الناس امتثل للأمر ، فأمَّن مَنْ في البيت الحرام ، وبعضهم عصى فروَّع الناس ، وقتلهم في ساحته ، ولو كان أمراً كونياً ما تخلَّف أبداً كما لو تتخلف الشمس مثلاً يوماً من الأيام .
وكذلك الأمر في {إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ...} [العنكبوت: 45] فالصلاة تشريع من الله ، فإذا كان الله تعالى هو المشرِّع ، وقال: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر ...} [النحل: 90] يعني: لا يوجد معها فحشاء ولا منكر ، وهذا أيضاً صحيح ؛ لأنني حين أدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام فإن هذه التكبيرة تحرم عليَّ كل ما كان حلالاً لي قبل الصلاة ، ففي الصلاة مثلاً لا آكل ولا أشرب ولا أتحرك ، مع أن هذه المسائل كانت حلالاً قبل الصلاة ، فما بالك بما كان حراماً عليك أصلاً قبل الصلاة؟ إذن: فهو حرام من باب أَوْلَى .